لَا تراهن على الصعبة ولا تنشد القريض

لَا تُرَاهِنْ عَلَى الصَّعْبَةِ وَلَا تَنْشِدِ القَرِيضَ
يُضرَب في التحذير. 
هذا المثل للحُطَيئة، لما حَضَرَته الوَفَاة اكْتَنَفَهُ أهلُهُ وبنو عمه، فقيل: يا حطيئة أوْصِ، قَال: وبِمَ أوصِى؟ مالي بين بنىَّ، قَالوا: قد علمنا أن مالك بيني وبنيك فأوْصِ، فقال: وَيْل للشِّعْر من راوية السوء، فأرسلها مَثَلاً، فَقَالوا: أوصِ، فَقَال: أخبِرُوا أهلَ ضابئ بن الحارث أنه كان شاعراً حيث يقول:
لكُلِّ جَدِيدٍ لَذَة، وغيرَ أنَّنِي … وَجَدْتُ جَدِيدَ المَوْتِ غيرَ لذيذ
ثم قَال: لا تُرَاهِن على الصَّعبة ولا تنشد القريض، فأرسلها مَثَلاً.
وفي بعض الروايات أنه قيل له: يا أبا مُلَيْكَةَ أوْصِهْ، قَال: مالي للذكور دون الإناث، قَالوا: إن الله لم يأمر بذا، قَال: فآتى آمر، قَالوا: أوْصِهْ، قَال: أخبروا آل الشماخ أن أخاهم أشْعَرُ العرب حيث يقول:
وظلت بأعراف صِياماً كأنَّهَا … رمَاحٌ نَحَاهَا وجهة الريح رَاكِزُ
قَالوا: أوْصِيهْ فإن هذا لا يُغْنِى عنك شيئاً، قَال: أبلِغُوا كِنْدَة أن أخاهم أشْعَرُ العرب يقول:
فَيَالَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجُومَهُ … بأمْرَاسِ كتَّان إلى صُمِّ جَنْدَلِ
يعنى امرؤ القيس، قَالوا: أوْصِهْ فإن هذا لا يغنى عنك شيئاً، قَال: أخْبِرُوا الأنصارَ أن أخاهم أمْدَحُ العرب حيث يقول:
يُغْشُونَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبِلِ
قَالوا: أوصه فإن هذا لا يغنى عنك شيئاً قَال: أوصيكم بالشعر خيراً، ثم أنشأ يقول:
الشعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ … إذا ارْتَقَى إلى الَّذي لَا يَعْلَمُه
زَلَّتْ بِهِ إلَى الحَضِيضِ قَدَمُهْ … وَالشِّعْرُ لَا يُطيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ
يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ … وِلَمْ يَزَلْ مِنْ حَيْثُ يأتي يَخْرِمُهْ
مَنْ يَسِمِ الأعْدَاء يبقى مِيسَمُهُ …
قَالوا: أوْصِهْ فإن هذا لا يبقى عنك شيئاً، قَال:
قد كُنْتُ أحْيَانَاً شَدِيدَ المُعْتَمَدْ  
وَكُنْتُ أحياناً عَلَى خَصْمِي ألَدْ
قَدْ وَرْدَتْ نَفْسِى وَمَا كَادَتْ تَرِدْ
قَالوا: أوْصِهْ فإن هذا لا يُغني عنك شيئاً، قَال: واجَزَعَاهُ على المديح الجيد يُمْدَح به من ليس من أهله، قَالوا: أوْصِهْ فإن هذا لا يغنى عنك شيئاً، فبكى، قَالوا: وما يبكيك؟ قَال: أبكى الشعرَ الجيدَ، من راوية السوء، قَالوا: أوص للمساكين بشَيء، قَال: أوصيهم بالمسألة وأوصِ الناسَ أن لا يُعْطُوهم، قَالوا: أعتِقْ غُلامك فإنه قد رَعَى عليك ثلاثين سنة، قَال: هو عبد ما بقي على الأرض عَبْسيّ، ثم قَال: احملوني على حماري ودُورُوا بي حول هذا التل فإنه لَم يَمُتْ على الحمار كريم، فعسى ربي أن يرحمني، فحمله ابناه وأخذا بضبْعَيه ثم جَعَلَا يسوقان الحمار حول التل، وهو يقول:
قَدْ عَجَّلَ الدَّهْرُ والأحْدَاثُ يتمكما… فَاسْتَغْنَيَا بوشَيِكٍ إنَّني عَانِ
وَدَلِّيَانِي في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ … كَمَا تدلى دلاءٌ بَيْنَ أشْطَانِ
قَالوا: يا أبا مليكة، مَنْ أشْعَرُ العرب؟
قَال: هذا الجُحَير، إذا طمع بخير، وأشار بيده إلى فيه، وكان آخر كلامه، فمات وكان له عشرون ومائة سنة، منها سبعون في الجاهلية، وخمسون في الإسلام.
ويروى أنه أراد سَفَراً، فلما قَدَّم راحلته قَالت له امرأته: متى ترجع؟ فَقَال:
عُدِّي السِّنِينَ لَغِيَبَتِي وَتَصَبَّرِي … وَدَعي الشُّهور فَإنَّهُنَّ قِصَارُ
فَقَالت:
اذْكُرْ صَبَابَتَنَا إلَيْكَ وَشَوْقَنَا … وَارْحَمْ بَنَاتِكَ إنَّهُنَّ صِغَارُ
قَالوا: وما مدح قوماً إلا رفَعهم، وما هجا قوماً إلا وضعهم. وقال يهجو نفسه وقد نظر في المرآة، وكان دَميماً:
أبَتْ شَفَتَاي اليَوْمَ إلَاّ تَكَلُّماً … بِسُوء، فَمَا أدْرِى لِمَنْ أنَا قَائِلُهْ
أرَى ليَ وَجْهاً شَوَّهَ الله خَلْقَهُ … فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عزيزي الزائر:
أهلاً وسهلاً بك اكتب ملاحظاتك أو سؤالك أو راسلنا على صفحة النحو والصرف:
https://www.facebook.com/arabicgrammar1255/

  • قصة البعيرالمفقود ذكاء وفراسة
    قصة البعيرالمفقود ذكاء وفراسة

  • آية قرآنية وسبب -1
    آية قرآنية وسبب -1

  • أوزان جموع الكثرة
    أوزان جموع الكثرة

  • إعراب الأمثال والحكم أسلوب الاستفهام
    إعراب الأمثال والحكم أسلوب الاستفهام

  •  أكلت يوم أكل الثور الأبيض
    أكلت يوم أكل الثور الأبيض

  •  أسلوب الإغراء والتحذير
    أسلوب الإغراء والتحذير

  • الغرض من النكرة والمعرفة والفرق بينهما
    الغرض من النكرة والمعرفة والفرق بينهما

  • ليس الغريب غريب الشام واليمن
    ليس الغريب غريب الشام واليمن

جميع الحقوق محفوظه © الإشراق1

تصميم الورشه