‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواقف وعبر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواقف وعبر. إظهار كافة الرسائل

أيام الحروب بين داحس والغبراء

 يوم ذي حسى

ثم إن بني ذُبيَان تجمَّعوا لما أصاب بنو عَبْس منهم أصابُوا، فَغَزَوْا - ورئيسهم حذيفة بن بدر - بني عبس وحلفاءهم بنى عبد الله بن غطفان ورئيسهم الربيع بن زياد، فتوافَوا بذي حسي، وهو وادي الهَبَاءة في أعلاه، فهُزِمت بنو عبس، واتبعتهم بنو ذُبْيَان حتّى لحقوهم بالمغيقة - ويقَال: بغيقة - فَقَال: التفاني أو تقيدونا، فأشار قيس على الربيع بن زياد أن يماكرهم، وخاف إنْ قاتلوهم أنْ لا يقوموا لهم، وقَال: إنّهم ليسوا في كل حين يتجمعون، وحذيفة لا يستنفر أحداً لاقتداره وعُلُوِّه، ولكن نعطيهم رَهَائن من أبنائنا فندفع حَدَّهم عنا، فإنهم لن يقتلوا الوالدان ولن يصلوا إلى ذلك منهم مع الذين نضعهم على يديهم، وإن هم قتلوا الصبيان فهو أهونُ من قتل الآباء، وكان رأى الربيع مُناجزتهم فَقَال: يا قيس أتَنْفُخُ سَحْرَكْ؟ وملأ جَمْعُهم صَدْرَكْ، وقَال الربيع:

أقُولُ ولم أمْلِكْ لِقَيسٍ نَصِيحَةً … أرى مَا يَرَى والله بالغيبِ أعْلَمُ

أنُبْقِي على ذُبْيَانَ مِنْ بَعد مَالِكٍ … وَقَدْ حَشَّ جَانِبي الحَرْبِ نَارَاً تَضَرَّمُ

وقَال قيس: يا بني ذُبْيان خُذوا منا رهائن ما تطلبون ونرضاكم إلى أن تنظروا في هذا، فقد ادّعيتم ما نعلم وما لا نعلم، ودعونا حتى نتبين دعواكم، ولا تعجلوا إلى الحرب، فليس كل كثير غالباً، وضَعوا الرهائن عند مَن ترضون به ونرضى به، فقبلوا ذلك، وتَرَاضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو الثعلبي، فدفعوا إليه عِدَةً من صبيانهم وتكافَّ الناسُ، فمكثوا عند سبيع حتى حضَره الموتُ فَقَال لابنه مالك: إن عندك مكرمة لن تبيد إنِ احتفظت بهؤلاء الأغَيْلِمَةَ وكأنّي بك لو قد مُتُّ أتاك خالُكَ حذيفة - وكانت أم مالك أخت حذيفة - يَعْصِرُ عينيه ويقول: هلك سيدُنا، ثم يخدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ثم لا تَشْرُف بعدها أبداً، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم، فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدُنا، فلما هلك طاف بمالك وعَظَّمَه ثم قَال: أنا خالك وأسنُّ منك، فادفع إليَّ هؤلاء الصبيان، يكونون عندي إلى أنْ ننظر في أمرنا، فإنه قبيح أن تملك على شيئاً، ولم يزل به حتى دفعهم إليه، فلما صاروا عنده أتى بهم اليعمرية - وهو ماء بوادٍ من بطن نخل - وأحضَرَ أهلَ الذين قتلوا، فجعل يبرز كل غلام منهم فينصبه غَرَضَاً ويقول له: نادِ أباك، فينادي أباه، فلم يزل يرميه حتى يخرقه، فإن مات من يومه ذاك وإلا تركه إلى الغد ثم يفعل به مثل ذلك حتى يموت، فلما بلغ ذلك بني عبس أتوْهُمْ باليعمرية، فقتلت بنو عبس من بني ذبيان اثني عشر رجلاً، منهم مالك ويزيد ابنا سبيع، وعركى بن عميرة، وقَال عنترة في قتل عركى:

سَائِلْ حُذَيْفةَ حِينَ أرَّشَ بَيْنَنَا … حَرْباً ذَوَائِبُها بِمَوْتٍ تَخْفِقُ

وَاُسْأَلْ عُمَيْرَةَ حِيْنَ أجْلَبَ خَيْلُهَا … رفضا غرين بأيِّ حَيٍّ تَلْحَقُ

يوم الهَبَاءة

ثم إنهم تجمَّعوا فالتَقَوْا إلى جفر الهَبَاءة في يوم قائظ، فاقتتلوا من بُكْرة حتى انتصف النهار، وحجَزَ الحر بينهم، وكان حذيفة يحرقَ ركوب الخيل فخذيه، وكان ذا خَفْض، فلما تحاجزوا أقبل حذيقة ومَنْ كان معه إلى جَفْر الهباءة ليتبرَّدُوا فيه، فَقَال قيس لأصحابه: إن حذيفة رجل محرق الخيل نازه وإنّه مستنقع الآن في جَفْر الهباءة هو وإخوته، ما نْهَضُوا فاتبعوهم، فنهضوا وأتوهم، ونظر حصن بن حُذيفة إلى الخيل - ويقَال: عُيَينة بن حصن - فبَعِلَ وانْحَدر في الجَفر، فَقَال حَمَل بن بدر: مَنْ أبغَضُ الناس إليكم أن يقف على رؤوسكم؟ قَالوا: قيس والربيع، قَال: فهذا قسي قد جاءكم، فلم يَنْقَضِ كلامُه حتى وقف قيس وأصحابه على شفير الجفر، وقيسٌ يقول: لبيكم لبيكم - يعني الصبية - وفي الجفر حذيفة ومالك وحَمَل بنو بدر، فَقَال حمل: نَشَدْتك الرحم يا قيس، فَقَال قيس: لبيكم لبيكم، فعرف حذيفة أن لنْ يدَعهم، فَنَهَرَ حَمَلاً وقَال: إياك والمأثور في الكلام، وقَال حذيفة: بنو مالك بمالك، وبنو حمل بذي الصبية، ونردُّ السَّبْق، قَال قيس: لبيكم لبيكم، قَال حذيفة لئن قتلتني لا تصطلح غَطفان أبدا، قَال قيس: أبعَدكَ الله! قتلُكَ خيرٌ لغطفان، سيربع على قدره كل سيد ظلوم، وجاء قِرْوَاش بني هنى من خلف حذيفة، فَقَال له بعض أصحابه: احذرْ قرواشاً - وكان قد رباه فظنّ أنّه سيشكر ذاك له - قَال: خَلُّوا بين قرواش وظهري، فنزع له قرواش بِمِعْبَلَةٍ (المعبلة: النصل الطويل العريض) فقصم بها صُلبه، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع فضرباه بسيفهما حتى ذَفَّفَا عليه، وأخذ الحارث بن زهير سيفَ حذيفة ذا النون - ويقَال: إنه كان سيف مالك بن زهير، أخذه حذيفة يوم قتل مالك - ومَثُّلُوا بحذيفة فقطعوا مَذَاكِيره فجعلوها في فمه وجعلوا لسانه في اسْتِهِ، ورمى جنيدب بن زيد مالك بن بدر بسهم فقتله، وكان نذر ليقتلَنَّ بابنه رجلا من بني بدر، فأحلَّ به نذره، وقتل مالك بن الأسلع الحارث بن عوف بن بدر بابنه،

واستصغَروا عُيَيْنة بن حصن فخَلَّوا سبيله، وقتَل الربيع بن زياد حملَ بن بدر، فَقَال قيس بن زهير يرثيه:

تَعَلَّمْ أَنَّ خَيْرَ النَّاس طُرّاً … عَلَى جَفْر الهَبَاءةِ لَا يَرِيمُ

فَلَوْلَا ظُلْمه مَازِلْتُ أبْكِى … عَلَيْهِ الدَّهْرَ مَا طَلَعَ النُّجُومُ

وَلَكِنَّ الفَتَى حَمَلَ بنَ بَدْرٍ … بَغَى، وَالبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ

أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَى قَوْمِي … وَقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ

ألاقِي مِنْ رِجَالٍ مُنْكَرَاتٍ … فأنْكُرُها وَمَا أنا بالظَّلُومِ

وَمَارَسْتُ الرجَالَ وَمَا رَسُونِي … فَمُعْوَجٌ عَلَىَّ وَمُسْتَقِيمُ

وقَال زبان بن زياد يذكر حذيقة وكان يحسد سؤدده:

وإنَّ قَتِيلاً بالهَبَاءة في اسْتِهِ … صَحِيْفَتُهُ إنْ عَادَ لِلْظُلْمِ ظَالِمُ

مَتَى تَقْرَؤها تَهْدِكُمْ مِنْ ضَلَالكُمْ … وَتُعْرَفْ إذا ما فُضَّ عَنْهَا الخَوَاتِمُ

فإن تسألوا عَنْهَا فَوَارِسَ دَاحِسٍ … يُنْبِئُكَ عَنْهَا مِنْ رَوَاحَةَ عَالِمُ

ونعى ذلك عقيل بن عُلَّقَة عَلَى عويف القوافي حين هاجاه فَقَال:

ويُوقِدْ عَوْفٌ للعشيرة نارَهَا … فَهَلَاّ عَلَى جَفْرِ الهَبَاءة أوقَدَا

فإنَّ عَلَى جَفْرِ الهَبَاءةِ هامَةً … تُنَادِي بَنِي بَدْرٍ وَعاراً مُخَلَّدَا

وإنَّ أبا وَرْدٍ حُذَيفَةَ مُثْفَر … بأيْرٍ عَلَى جَفْرِ الهَبَاءَ أسْوَدَا

وقَالت بنت مالك بن بدر ترثى أباها:

إذا هَتَفَتْ بالرَّقْمَتَيْنِ حَمَامًةٌ … أوْالرَّسِّ فابْكِي فَارِسَ الكَتفَانَ

أحلَّ بِهِ أمسَ الجنيدبُ نَذْرَهُ … وَأيُّ قَتِيلٍ كان فِي غَطَفَانِ؟

يوم الفَرُوق:

فلما أصيبت يوم الهبَاءة استعظمت غَطَفَان قتل حُذِيفة، وكبر ذلك عندها،

فتجَّمَعُوا، وعرفت بنو عبس أن لا مقام لهم بأرض غَطَفان، فخرجت متوجهة نحو اليمامة يطلبون أخوالهم، وكانت عبلة بنت الدؤل بن خنيفة أم رَوَاحة، فأتوا قتادة بن سلمة، فنزلوا اليمامة زميناً، فمر قيس ذات يوم مع قتادة فرأى قَحِفَاً فَضَرَبَه برجله وقَال: كم من ضَيْم قد أقررتَ به مخافةَ هذا المصرع ثم لم تنشل منه، فلما سمعها قتادة كرهَهَا، وأوْجَسَ منه، فَقَال: ارتحِلوا عنا، فارتحلوا حتى نزلوا هَجَر ببني سعد زيد مَنَاة بن تميم، فمكثوا فيهم زميناً، ثم إن بني سعد أتوا الجونَ ملكَ هَجَرَ فَقَالوا له: هل لك في مُهْرة شوهاء، وناقة حمراء، وفتاة عذراء؟ قَال: نعم، قَالوا: بنو عبس غارُّونَ تُغِير عليهم مع جندك وتُسْهِم لنا من غنائمهم، فأجابهم، وفي بني عبس امرَأة من سعدِ ناكحٌ فيهم، فأتاها أهلُها ليضموها، وأخبروها الخبر، فأخبرت به زوجَهَا، فأتى قيساً فأخبره، فاجمعوا على أن يرحلوا الظعائن وما قوى من الأموال من أول الليل ويتركوا النار في الرِّثَّة، فلا يستنكر ظعنهم عن منزلهم، وتقدم الفُرْسان إلى الفَرُوق، فوقفوا دون الظُّعنُ، وبين الفروق وسوق هجر نصف يوم، فإن تبعوها قاتلوهم وشَغَلوهم حتى تعجل الظُعنُ، ففعلت ذلك، وأغارت جنود الملك مع بني سعد في وَجْه الصبح، فوجَدُوا الظُّعُن قد أسْرَيْنَ ليلتهن، ووجدوا المنزل خَلَاء فاتَّبَعُوا القَوم حتى انتهوا إلى الخيل بالفَرُوق، فقاتلوهم حتى خلوا سربهم، فمضوا حتى لحقوا بالظُّعن، فساروا ثلاثة أيام ولياليهن حتى قَالت بنت قيس لقيس: يا أبتِ أتسير الأرض، فعلم أن قد جُهِدْنَ، فَقَال: أنِيخُوا، فأناخوا، ثم ارتحل، وفي ذلك يقول عنترة:

ونحنُ مَنَعْنَا بالفَرُوقَ نِسَاءَنَا … نُطْرَفُ عَنْهَا مُشعلاتٍ غَوَاشِيا

خَلَفْنَا لَهَا والخَيْلُ تَدْمِ نُحُورُها … نُفَارِقكُمْ حَتَى تَهُزُّوا العَوَالِيا

ألم تَعْلَمُوا أنَّ الأسِنَّةَ أحْرَزَتْ … بَقِيَّتَنَا لَوْ أنَّ لِلْدَّهْرِ بَاقِيا

وَنَحْفَظْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَنَتَّقِي … عَلَيْهِنَّ أنْ يَلْقَيِنَ يَوْماً مَخَازِيا

فلحقوا ببني ضبة، وزعموا أن مالك بن بكر بن سعد وعَبْسَاً أخَوَان لأم، ويقَال لهما: ابنا ضخام، فكانوا فيهم زميناً، وأغارت ضبة - وكانت تميم تأكلهم قبل أن يترببوا - فاغاروا على بني حنظلة، فاستاق رجل من بني عبس امرَأة من بني حَنْظَلة في يوم قائظ حتى بَهَرَها ولهثت، فَقَال رجل من بني ضبة: ارْفُقْ بها، فَقَال العبسي: إنك بها لَرَحِيم؟ فَقَال الضبّي: نعم، فأهوى العبسي لعجزها بطرف السنان، فنادت: يا آل حَنْظَلة، فشدَّ الضبي على العبسي فقتله، وتنادى الحيان، ففارقتهم عبس، فمرت تريد الشأم، وبلغ بني عامر ارتفاعهم إلى الشأم، فخافوا انقطاعهم من قيس، فخرجت وفود بني عامر حتى لحقتهم، فدعتهم إلى أن ترجعوا ويحالفوهم، فَقَال قيس: يا بني عَبْس، حالِفُوا قَوْمَاً في صبابة بني عامر ليس لهم عَدَدْ فيبغُوا عليكم بعَدَدهم، فإن احتجتم أن يقوموا بنصرتكم قامت بنو عامر، فخالفوا معاوية بن شكل، فمكثوا فيهم، ثم إن شاعراً - يُقَال: إنه عبد الله ابن همام أحد بنى عبد الله بن غطفان، ويقَال: إنه النابغة الذبياني - قَال:

جَزَى الله عَبْسَاً عَبْسَ آلِ بغيض … جَزَاء الكِلابِ العَاوِياتِ وَقَدْ فَعَلْ

بِمَا انْتَهَكُوا مِنْ رَبِّ عدنان جَهْرَةً … وَعُوف يُناجِيهمْ وَذَلِكُمُ جَلَلْ

فَأصْبَحتُم وَالله يَفْعَل ذَلكُمْ … يعزكم مَوْلَى مَوَاليكم شكل

فلما بلغ قيساً قَال: ماله قاتله الله أفسد علينا حِلْفُنا؟ فخرجوا حتى أتوا بني جعفر بن كلاب، فَقَالوا: نكره أن تتسامع العرب أنا حالفناكم بعد الذي كان بيننا وبينكم، ولكنهم حلفاء بني كلاب، فكانوا فيهم حتى كان يوم جَبَلة فتَهايجوا في شأن ابن الجون، قتله رجل من بني عَبْس بعد ما كان أعتقه عوف بن الأحوص، فَقَال عوف: يا بني جعفر إن بني عبس أدنى عدوكم إليكم، إنما يجمعون كُرَاعهم، ويُحِدُّون سلاحهم، ويأسونَ قُرُوحهم، فأطيعوني وشُدُّوا عليهم قبل أن يندملوا، وقَال:

وإنِّي وَقَيْسَاً كَالْمُسَمَّنِ كَلْبَهُ … فَخَدَّشَهُ أنْيابُهُ وَأظْافِرُه

فلما بلغ ذلك بنى عبس أتوا ربيعة بن قُرْط أحد بني أبي بكر بن كلاب، فخالفوه، فَقَال في ذلك قيس:

أحاوِلُ ما أحاوِلُ ثم آوى … إلى جَارٍ كَجَارِ أبي دُوَادِ

مَنِيعٍ وَسْطَ عكرمَةَ بنِ قَيْسٍ … وَهُوبٍ لِلْطَّرِيفِ وِللْتَّلادَ

كَفَاني مَا خَشِيتُ أبُو هِلَالٍ … رَبِيعَةُ فَانْتَهَيْتُ عَنِ الأعادِى

تظّلّ جِيادُهُ يَسْرينَ حَوْلِي … بذَاتِ الرمثِ كالحِدَإ العَوَادِي

يوم شعواء:

ثم إن بني ذبيان غَزَوْا بني عامر وفيهم بنو عبس في يوم شَعْواء، وفي يوم آخر، فأسر طلحةُ بن سنان قرواشَ بن هنى، فنسبه، فكنى عن نفسه، فَقَال: أنا ثور بن عاصم البكائي، فخرج به إلى أهله، فلما انتهى إلى أدنى البيوت عرفته امرَأة من أشجع أمها عبسية كانت تحت رجل من فَزَارة، فَقَالت لزوجها: إني أرى أبا شريح، قَال: وَمَنْ أبو شريح؟ قَالت: قرواش بن هنى أبو الأضياف مع طلحة بن سنان، قَال: ومن أين تعرفينه؟ قَالت: يتمت أنا وهو من أبوينا فربَّانا حذيفة في أيتام غَطَفان، فخرج زوجُها حتى أتى خزيم بن سنان فَقَال: أخبرتني امرأتي أن أسيرَ طلحة أخيك قِرْوَاش بني هنى، فأتى خزيمٌ طلحةَ فأخبره، فَقَال: لا تغرني على أسيرى لتلبسه مني قَال خزيم: لم أرد ذلك، ولكن امرَأة فلان عرفته فاسمع كلامها، فأتوها فَقَال طلحة: ما علمكَ أنه قرواش؟ قَالت: هو هو، وبه شامةٌ في موضع كذا فرجعوا إليه ففتشُوه فوجدوا الذي ذكرَت، قَال قرواش: مَنْ عَرَفَني؟ قَالوا فلانة الأشجَعِية وأمها عَبْسِية؟ قَال: ربَّ شر حملته عَبْسية، فذهبت مَثَلاً، ودفع إلى حصن فقتله، فَقَال النابغة الذبياني:

صبراً بَغِيضُ بن رَيْثٍ إنَّهَا رَحم … حُبْتُم بِهَا فَأَنَاخَتكُم بِجَعْجَاجِ

فَمَا أشْطَّت سميٌّ إن هم قَتَلُوا … بَنِي أسِيد بِقَتْلَى آلِ زِنْبَاعِ

كَانَتْ قُروض رِجَالٍ يَطْلبُون بِهَا … بَنِي رَوَاحَةَ كَيلَ الصَّاعِ بالصَّاعِ

سمى: هو ابن مازن بن فزارة. ولم تزل عبس في بني عامر حتى غزا غَزْيٌّ من بني عامر يوم شواحط بني ذبيان، فأسر منهم ناس أحدهم أخو حنبص الضبابي، أسَرَهُ رَجلُ من بني ذبيان، فلما نفِدَتْ أيام عكاظ استودعه يهوديَّاُ خمَّاراً من أهل تيْمَاء فوجَدَه اليهودي يخلفه في أهله، فأجبَّ مذَاكِيره، فمات، فوثب حنبص على بني عبس، فَقَال: إن غطفان قتل أخي فَدُوه، فَقَال قيس: إن يدي مع أيديكم على غطفان ومع هذا فإنما وَجَدَهُ اليهودي مع امرأته، فَقَال حنبص: والله لو قَتَلَتهُ الريح لوَدَيْتُمُوه، فَقَال قيس لقومه: دُوه وألحقُوا بقومكم، فالموت في غطفان خير من الحياة في بني عامر وقَال:

لَحَا الله قَوماً أرَّثُوا الحربَ بَيْنَنا … سَقُوْنَا بِهَا مُرَّاً من الماء آجِنَا

وكَايَدَ ذَا الخِصْيينِ إن كانَ ظالِماً … وإن كُنتَ مظلوماً وإن كانَ شَاطِنا

فهَلَاّ بني ذبيانَ أمُّكَ هَابِلٌ … رَهَنَتْ بِفَيْفِ الرِّيح إن كُنتَ رَاهِناً

فلما ودَّتْ عَبْس أخَا حنبص خرجَتْ حتى نزلت بالحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهو عند حصن ابن حذيفة، جاء بعد ساعةِ من الليل، فقيل: هؤلاء أضيافك ينتظرونك، قَال: بل أنا ضيفهم، فحَيَّاهم وهشَّ إلبهم، وقَال: مَنْ القَوم؟ قَالوا: إخْوَتُك بنو عَبْس وذكروا ما قَالوا، فأقروا بالذنب، فَقَال: نَعَمْ وكرامة لكم، أكلم حِصْنَاً، فرجع إليه، فقيل لحصن: هذا أبو أسماء، قَال: ما رده إلا أمر، فدخل الحارث فَقَال: طرقْتُ في حاجة يا أبا قَيْس، قَال: أُعطِيتَهَا، قَال: بنو عَبْس، وَجَدْتُ وفُودَهم في منزلي، قَال حصن: صالِحُوا قومَكم، أما أنا فلا أدى ولا أتَّدِى، قَدْ قَتَلْتْ آبائي وعُمومتي عشرين من بني عبس، فما أدركت دماءهم، ويقَال: انطلقَ الربيعُ وقيس إلى يزيد بن سِنَان بن أبي حارثة، وكان فارسَ بني ذبيان، فَقَالا: انْعَمْ ظلاماً أبا ضمرة، قَال: نِعِمَ ظلامُكما، فَمَنْ أنتما؟ قَالا: الربيع وقيس، قَال: مرحَبَاً، قَالا: أردنا أن تأتي أباك فتعيننا عليه لعله يَلُمُّ الشَّعْثَّ ويَرْأب الصَّدْع، فانطلقَ معها، فَقَال لأبيه: هذه عبس قد عَصَبت بِكَ رجاء أن تلائم بين ابنى بغيض، قَال: مرحباً قد آن للأحلام أن تَثُوب، وللأرحام أن تنقى، إني لا أقدر على ذلك إلا بحِصْن حُذيفة وهو سيدٌ حليم، فائْتُوه، فأتوا حِصْناً فَقَال: مَنِ القوم؟ قَالوا: ركبان الموت، فعَرَفهم، قَال: بل ركبان السلم، مرحباً بكم، إن تكونوا اخْتَلَلْتُمْ إلى قومكم لقد اختلَّ قومُكم إليكم، ثم خرج معهم حتى أتوا سِنانَاً فَقَال له حصن: قُمْ بأمر عَشيْرتك وارأب بينهم فإني سأعينُكَ، فاجتمعت بنو مرة، فكان أول مَنْ سعى في الحَمَالة حَرْمَلَهُ بن الأشعر، ثم مات فَسَعى فيها ابنه هاشمُ بن حَرْمَلَه الذي يقول فيه القائل:

أحْيَا أباهُ هَاشِمُ بْنْ حَرْمَلَهْ … يَوْمَ الهَبَاتَيْنِ وَيَوْمَ اليَعْمَلَهْ

تَرَى المُلُوكَ حَوْلَهُ مُغَرْبَلَهْ… يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لا ذَنْبَ لَهْ

يوم قطن:

ولما حمل الحاملات وتراضى أبناء بَغِيض اجتمعت عَبْسٌ وذبيان بقطن، وهو من الشربة، فخرج حُصَين بن ضَمْضَمْ يَخلى فرسهُ، وهو آخذ بمرسنها، فَقَال الربيع بن زياد: مالي عهد بحُصَين بن ضَمْضَمْ مذ عشرين سنة، وإني لأحسبه هذا، قم يا بيحَان فادْنُ منه ونَاطِقْه فإن في لسانه حُبْسة، فقام يكلمه، فجعل حصين يدنو منه فلا يكلمه، حتى إذا أمكنه جال في متن فرسه ثم وَجَّهَهَا نحوه، فلحقه قبل أن يأتي القوم فقتله بأبيه ضَمْضَمْ، وكان عنترة قتله، وكان حصين آلَى أن لا يمس رأسَه غسلٌ حتى يقتل بأبيه بيحان، فانحازت عبس وحلفاؤها، وقَالوا: لا نصالحكم ما بلَّ بحرٌ صُوفَةً، وقد غَدَرَتْ بنا بنو مرة، وتناهضَ الحيان، ونادى الربيع بن زياد: مَنْ يبارز؟ فَقَال سنان وكان يومئذ واجدا على ابنه يزيد: ادعوا لي ابني، فأتاه هرم بن سنان فَقَال: لا، فأتاه ابنه خارجة فَقَال: لا، وكان يزيد يَحْزم فرسه ويقول: إن أبا ضمرة غير غافل، ثم أتاه فبرز للربيع، وسَفَرت بينهم السفراء، فأتى خارجة بن سنان أبا بيجان بابنه فدفعه إليه، وقَال: هذا وفاء من ابنك؟ قَال اللهم نعم فكان عنده أياماً ثم حمل خارجة لأبي بيجان مائتي بعير، فأدّي مائة وحط عنه الإسلام مائة، فاصطلحوا وتعاقدوا وفي ذلك يقول خارجة بن سنان:

أعتبت عن آل يربوع قتيلَهُمُ … وكُنْتُ أدْعَى إلى الخيرات أطْوَارَا

أعتبتُ عَنْهُمْ أبا بيجان أرسنها … وُرْدَاً ودُهْمَاً كمثل النَّخْل أبْكَاراً

وكان الذي ولى الصلح عوف ومعقل ابنا سبيع بن عمرو من بني ثعلبة، فَقَال عوف بن خارجة بن سنان: أما إذ سبقَنى هذان الشيخان إلى الحمالة فهلُمَّ إلى الظل والطَّعام والحملان، فأطعم وحمل، وكان أحد الثلاثة يومئذ، فصدَرُوا على الصلح بعد ما امتدت الحرب بينهم سنين، قَال المؤرجُ السدوسي: أربعين سنة.

أسباب حرب داحس والغبراء

 قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبُ دَاحِسٍ وَالغَبْرَاءِ

يُضرَب مَثَلاً للقوم وقَعُوا في الشر يبقى بينهم مدة.

قَال المفضل: داحسٌ فرسُ قيسِ بن زهير ابن جَذِيمة العَبسي، والغَبْرَاء:

فرسُ حُذيفة ابن بَدْر الفَزَاري، وكان يُقَال لحذيفة هذا "ربُّ مَعد" في الجاهلية، وكان من حديثهما أنَّ رجلاً مِن بني عبس يُقَال له قِرْوَاش بن هنى كان يُبَارِي حمْلَ بن بَدْر أخا حذيفة في داحس والغبراء، فَقَال حَمَلَ: الغبراءُ أجود، وقَال قرواش: داحس أجود، فتَرَاهنا عليهما عشرا في عشر، فأتى قِرْوَاش قيسَ بن زهير فأخبره، فَقَال له قيس: راهنْ مَنْ أحببت وجَنَّبْني بني بدر؛ فإنهم يظلمون لقدرتهم على الناس في أنفسهم، وأنا نَكِد أباء، فَقَال قِرْوَاشِ: إني قد أوجَبْتُ الرهان، فَقَال قيس: ويْلَكَ! ما أردتُ إلّا أشأم أهل بيت، والله لتشعلنّ علينا شراً، ثم إنّ قيساً أتَى حَمَلَ بن بدر فَقَال: إنّي قد أتيتك لأواضِعَكَ الرهان عن صاحبي، فَقَال: لا أواضعكَ أو تجئ بالعَشْر، فإنْ أخذتَها أخذتُ سَبَقِي، وإنْ تركتَها رَدَدْتُ حقاً قدْ عرفتَه لي وعرفتُه لنفسي، فأحْفَظَ قيساً، فَقَال: هي عشرون، قَال حَمَلَ: هي ثلاثون، فتلاجَّا وتَزايَدَا حتّى بلغ به قيسٌ مائةً ووضع السبق على يدي غلاق، أو ابن غلاق أحد بني ثعلبة ابن سعد، ثم قَال قيس: وأُخَيِّرك بين ثلاث فإن بدأت فاخترتَ فلي منه خصلتان، قَال حمَل: فابدأ، قَال قيس: فإنّ الغاية مائة غَلْوة وإليك المِضْمَار ومنتهى الميطان - أي حيث يوطن الخيل للسبق - قَال: فَخَرَّ لهم رجل من محارب فَقَال: وقع البأس بين ابنى بَغِيض، فضمروها أربعين ليلة، ثم استقبل الذي ذَرَعَ الغاية بينهما من ذات الإصَاد، وهي ردهة وَسَطَ هَضْب القَليب، فانتهى الذرع إلى مكان ليس له اسم، فقادوا الفرسين إلى الغاية وقد عطَّشوهما وجعلوا السابق الذي يرِد ذاتَ الإصاد وهى مَلأى من الماء، ولم يكن ثمَّ قصبة ولا غيرها، ووضع حمَل حَيْساً في دِلاء وجعله في شعب من شِعَاب هَضْب القَلِيب على طريق الفرسين، فسمى ذلك الشعب لهذا (شعب الحَيْسِ)، وكمِن معه فتيان فيهم رجل يُقَال له زهير بن عبد عمرو، وأمرهم إنْ جاء داحس سابقاً أنْ يردُّوا وَجْهه عن الغاية، وأرسلوهما من منتهى الذرع، فلمّا طلعَا قَال حَمَل: سَبَقْتُكَ يا قيس، فَقَال قيس: بعد اطِّلاع إيناسٌ فذهبت مَثَلاً، ثم أجدَّا فَقَال حمَل: سبقتك يا قيس، فَقَال: رويداً يَعدون الجَدد، أي يتعدينه إلى الوَعث والخَبَار، فذهب مَثَلاً، فلمّا دنَوْا وقد برز داحس قَال قيس: جَرْيُ المُذْكِيات غِلاب، ويقَال "غِلاء" كما يتغالى بالنبل، فذهبت مَثَلاً، فلما دنا من الفتية وثب زهير فلَطَمَ وَجْه داحس فردَّه عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس ابن زهير:

كَمَا لَاقَيْت مِنْ حَمَلِ بْنِ بَدْرِ … وإخْوَتِهِ عَلَى ذاتِ الإصَادِ

هُمُ فَخَرُوا عَلَى بَغَيْرِ فَخْرٍ … وَرَدُّوا دُونَ غَايَتِهِ جَوَادِى

فَقَال قيس: يا حذيفة: أعْطُوني سَبقِي، قَال حذيفة خدعتك، فَقَال قيس: تَرَكَ الخِدَاعَ مَنْ أجْرَى مِن مِائِةٍ، فذهبت مَثَلاً، فَقَال الذي وضعا السَّبْقَ

على يديه لحذيفة: إنّ قيساً قد سَبَق، وإنّما أردْتُ أنْ يُقَال: سَبَق حذيقة، وقد قيل، أفأدفع إليه سبقه؟ قَال نعم، فدفع إليه الثعلبي السبْق، ثمّ إنّ عركى بن عميرة وابن عَمٍّ له من فَزارة نَدَّمَا حُذَيفة وقَالا: قد رأى الناس سبْقَ جوادك، وليس كل الناس رأى أن جَوَادهم لُطم، فَدَفْعُكَ السبْقَ تحقيقٌ لدعواهم، فاسلُبْهُمْ السبْق فإنّه أقصر باعا وأكلُّ حَدَّا من أن يردك،

قَال لهما: ويلكما أراجع فيهما مُتندِّماً على ما فَرَطَ؟ عَجْزٌ والله، فما زالا

به حتى ندم فنَهَى حميصة بن عمرو حذيفة وقَال له: إن قيساً لم يسبقْك إلى مَكْرُمة بنفسه، وإنما سبَقَتْ دابةٌ دابةً فما في هذا حتّى تُدعَى في العرب

ظلوماً؟ قَال: أمَّا إذا تكلمت فلا بدَّ من أخذِه، ثم بعث حذيفة ابنه أبا قرفة إلى قيس يطلب السبْق، فلم يصادفه، فَقَالت له امرأته، هر بنت كعب: ما أحبَّ أنّك صادفت قيساً، فرجع أبو قرفة إلى أبيه فأخبره بما قَالت، فَقَال: والله لتعودَنَّ إليه، ورجَع قيس فأخبرتْه امرأته الخبر فأخذتْ قَيساً زفراتٌ، فأقبل متقلّباً ولم ينشَبْ أبو قرفة أنْ رجع إلى قيس فَقَال: يقول أبي: أعطِنِي سَبْقي، فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صُلبه، ورجعت فرسه عائرة، فاجتمع الناس، فاحتملوا دية أبي قرفة مائة عُشَراء، فقبضها حًذيفة وسَكن الناس، فأنزلها على النفرة حتى نتجها ما في بطونها.

ثم إنّ مالك بن زهير نزل اللقاطة - وهي قريب من الحاجر - وكان نكح من بني فَزَارَة امرَأة فأتاها فبنى بها وأخبره حذيفة بمكانه، فعدَا عليه فقتله وفي ذلك يقول عنترة:

لله عَيْنَا مَنْ رَأى مِثْلَ مالك … عَقِيرَةَ قَوْمٍ أن جَرَى فَرَسَانِ

فَلْيَتهُمَا لم يَجْرِ يَا نِصْفَ غَلْوَةٍ … وليتهما لم يُرْسَلَا لِرِهَانِ

فأتت بنو جذيمة حذيفة: فَقَالت بنو مالك بن زهير لمالك بن حذيفة: رُدُّوا علينا مالنا، فأشار سنان ابن أبي حارثة المّرىّ على حذيفةَ أنْ لا يرُدّ أولادها معها، وأنْ يرد المائة بأعيانها، فقال حذيفة: أرَدُّ الإبل بأعيانها ولا أردُّ النَّسلَ، فأبَوا أنْ يقبلوا ذلك، فَقَال قيس بن زهير:

يَوَدُّ سِنَان لو يُحارب قَوْمَنَا … وفي الحربِ تَفْرِيقَ الجَمَاعةِ وَالأزْلُ

يَدُبُّ وَلا يَخْفَى ليُفْسِدَ بَيْنَنَا … دَبِيباً كما دَبَّتْ إلى جُحرِها النَّمْلُ

فيا ابنَيْ بَغِيضٍ رَاجعَا السَّلْمَ تَسْلَمَا … ولا تشْمِتَا الأعداء يَفْتَرقَ الشَّمْلُ

وإن سبيلَ الحربِ وَعْرُ مُضِلَّةٌ … وإن سبيل السِّلْم آمنةٌ سَهْلُ

قَال: والربيع بن زياد يومئذ مجاورُ بني فزَارة عند امرأته، وكان مُشَاحناً لقيس في درعه ذي النور كان الربيع لَبِسَها فَقَال: ما أجودَهَا، أنا أحقَ بها منك، وغَلَبه عليها، فأطرَدَ قيس لَبُوناً لبني زياد، فعارض بها عبد الله بن جدعان التَّيمي بسِلاح، وفي ذلك يقول قيس بن زهير:

لَمْ يأتِيك وَالأنباءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ

وَمَحْبِسُهَا لَدَى القُرْشِيِّ تُشْرَى … بأفْراسٍ وَأسْيَافٍ حِدَادِ

فلما قتلوا مالك بن زهير تَوَاحَوْا بينهم، فَقَالوا: ما فعل حماركم؟ قَالوا: صدناه، قَال الربيع: ما هذا الوحى؟ إن هذا الأمر ما أدرى ما هو، قَالوا: قتلنا مالك بن زهير قَال: بئسما فعلتُم بقومكم، قبلتم الدية ورضيتُم، ثمَّ عَدَوْتُم على ابن عمكم وصهركم وجاركم فقتلتموه وغدرتم، قَالوا: لولا أنّك جارٌ لقتلناك، وكانت خفرة الجار ثلاثاً، فقالوا: لك ثلاثة أيام.  

فخرج وأتبعوه فلم يدركوه حتى لحقَ بقومه، وأتاه قيس بن زهير، فصالحه ونزل معه، ثم دسَّ أمةً له يُقَال لها رعية إلى الربيع تنظر ما يعمل، فدخلت بين الكفاء والقصد لتنظر أمحارب هو أم مسالم، فأتته امرأته تعرض له وهي على طُهْر فَزَجَرَها وفي نسخة "فدحرها" والمعنى واحد وقَال لجاريته: اسقِينِي، فلمّا شرب أنشأ يقول:

مُنِعَ الرُّقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ حَارِي … جَلَلٌ مِنَ النَّبَأِ المُهِمّ السَّارِى

مَنْ كَانَ مَحْزُوْنَاً بمَقْتَلِ مَالِكٍ … فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ

يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ … يَلْطُمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسْحَارِ

أفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بنِ زهير … تَرجُو النِّسَاء عَوَاقِبَ الأطْهِارِ

فأتت رعية قيساً فأخبرته خبر الربيع، فَقَال: أنت حرة، فأعتقها، وقَال وثقت بأبي منصور، وقَال قيس:

فإنْ تَكُ حَرْبُكَمْ أمْسَتْ عَوَانَاً … فإنِّي لَمْ أكُنْ مِمَّنْ جَنَاهَا

وَلكنْ وُلْدُ سَوْدَةَ أرَّثُوهَا … وَحَشُّوا نَارَهَا لِمَنْ اصطَلَاهَا

فإنِّي غَيْرُ خَاذِلِكُمْ. ولكِنْ … سَأسْعَى الآنَ إذْ بَلَغَتْ مَدَاهَا

ثم قاد بني عبس وحُلفاؤهم بني عبد الله بن غَطَفان يوم ذي المريقب إلى بني فزَارة ورئيسهم إذ ذاك حُذِيفة بن بَدْر، فالتقوا؛ فقتل أرطاة أحد بني مخزوم من بني عبس عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضماً ونَفَراً ممن لا يعرف اسمهم، وفي ذلك يقول:

وَلَقَدْ خَشِيتُ بأنْ أمُوتَ وَلَمْ تَكُنْ … لِلحَرْبِ دَائِرَةٌ على ابْنِي ضَمْضَمِ

الشَّاتِمَى عِرْضِي وَلَمْ أشتمهما … وَالنَّاذِرَينْ إذا لَمَ القَهُمَا دَمِي

إن يَفْعَلَا فَلَقَدْ تَرْكْتُ أبَاهُمَا … جَزْرَ السِّبَاعِ وَكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ

وقَال:

ولَقَدْ عَلِمْتُ إذا التَقَتْ فُرْسَانُنَا … بِلِوَى المُريقِبِ أنَّ ظَنَّك أحمقُ 

(مجمع الأمثال). 

ويل للشجي من الخلي

 وَيْلٌ لِلشَّجِيِّ مِنَ الخَلِىِّ
راجع قصته في المثل القائل "صُغَراهَا شُرَّها".
وهذه رواية أخرى قَالَ المدائني ومحمد بن سلام الجحميّ: أول من قَالَ ذلك أكْثَمُ بن صَيفي التميميّ، وكان من حديثه أنه لما ظهر النبي عليه الصلَاة والسلام بمكة ودَعَا الناسَ إلى الإسلام بعث أكْثَم بن صيفي ابنَهُ حُبَيْشاً، فأتاه يخبره، فجمع بني تميم وقَالَ: يا بني تميم، لَا تُحْضِرُونِي سفيهاً فإنه مَنْ يَسْمَع يَخَلْ، إن السفيه يُوهِنُ مَنْ فوقه ويثبت من دونه، لَا خير فيمن لَا عقل له، كبرت سني ودَخَلَتْني ذلة، فإذا رأيتم مني حَسَناً فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم، إن ابني شَافَهَ هذا الرجل مُشَافهة وأتاني بخبره وكتابه يأمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسن الأخلَاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلَع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عَرَف ذوو الرأي منكم أن الفضلَ فيما يدعو إليه، وأن الرأي تركُ ما ينهى عنه، إن أحَقَّ الناس بمعونة محمد صلى الله عليه وسلم ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً كنتم أحَقَّ الناس بالكَفِّ عنه وبالسَّتْر عليه، وقد كان أسقفُ نَجْرَان يحدِّث بصفته، وكان سفيان بن مُجَاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدا، فكونوا في أمره أولاً، ولا تكونوا آخرا، ائتُوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين، إنَّ الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم لو لمْ يكنْ ديناً كان في أخلَاق الناس حَسَناً، أطيعوني واتَّبِعُوا أمري أسأل لكم أشياء لَا تنزع منكم أبداً، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عدداً، وأوسعهم داراً، فإني أرى أمراً لَا يجتنبه عزيز إلَا ذل، ولَا يلزمه ذليل إلَا عز، إن الأَوَّل لم يَدَعْ للآخر شيئاً، وهذا أمر له ما بعده، مَنْ سبق إليه غمر المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والَاختلَاف عجْز فَقَالَ مالك بن نُويْرة، قد خَرِفَ شيخكم، فَقَالَ أكثم: ويل للشجيِّ مِن الخليِّ، والهَفْيّ على أمْرٍ لم أشهده ولم يسعني.

وصية أم لابنتها

وصية أم لابنتها
فلما أراد أن يحملوها إلى زوجها قَالَت لها أمها: أي بنية، إن الوصية لو تُرِكت لِفَضلِ أدبٍ تُرِكت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومَعُونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لِغِنَي أبويها وشدَّة حاجتهما إليها كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقْنَ، ولهن خلق الرجال. أي بنية، إنك فَارقْتِ الجوَّ الذي منه خَرَجْتِ، وخَلَّفْتِ العُشَّ الذي فيه دَرَجْتِ، إلى وَكْر لم تعرفيه، وقَرِين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيباً ومليكا، فكونِي له أمَةً يكُنْ لك عبداً وَشِيكا، يا بنية احْمِلِي عنى عَشْرَ خِصَالٍ تكن لك ذُخْراً وذِكْراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهُّد لموقع عينه، والتفقُّد لموضع أنفه، فلَا تَقَع عينُه منك على قبيح، ولَا يشم منك إلَا طيبَ ريح، والكحلُ أحسنُ الحسن، والماء أطيبُ الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه، فإن حَرَارة الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مَبْغَضَة والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير، ولَا تُفْشِي له سراً، ولَا تعصي له أمراً، فإنَّكِ إنْ أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غَدْرَه، وإن عصيت أمره أوغَرْتِ صَدْره ثم اتَّقِي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحَا، والاكتئاب عنده إن كان فَرِحَا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشَدَّ ما تكونين له إعظاماً يكن أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطولَ ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لَا تَصْلِين إلى ما تحبين حتى تُؤْثِرِي رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت، والله يَخِيرُ لك، فحملت فسُلِّمَت إليه، فعَظُم مَوْقِعُها منه، وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن. 
(مجمع الأمثال)

لا ناقة لي في هذا ولا جمل

لا نَاقَةٌ لي فِي هذَا ولَا جَمَلُ
 ويُروَى: لَا نَاقَتِي في هذا ولا جَمَلِي
يُضرَبُ عند التبرّي من الظلم والإساءة.
أصل المثل للحارث بن عُباد حين قَتَلَ جَسَّاسُ بن مرةَ كليباً وهاجت الحربُ بين الفريقين، وكان قد اعتزلها، قَال الراعي:
وَمَا هَجْرتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً … لا نَاقَةٌ لي فِي هذَا ولَا جَمَلُ
وذكروا أنَّ محمدَ بنَ عمير بن عطارد بن حاجب شرور لما خرج الناس على الحجاج فَقَال: لا ناقتي في ذا ولا جَمَلِي، فلما دخل بعد ذلك على الحجاج قَال: أنت القائل لا ناقتي في ذا ولا جملي؟ لا جَعَلَ الله لك فيه ناقة ولا جملاً ولا رَحْلاً، فشمِتَ به حجار ابن أبجر العجلى وهو عند الحجاج، فلما دعا بَغدَائه جاؤوا بِفُرْنِيِةٍ
قَال الهذلى:
نقابل جوعهم بمكللات … من الفرنى يرغبها الجميل
فَقَال ضعوها بين يَدَي أبى عبد الله فإنه لَبَنِىٌّ يحبُّ اللبن، أراد أن يدفع عنه شَمَاتة حجار.
وقَال بعضهم: إنّ أوَّل مَنْ قَال ذلك الصًّدوف بنت حُلَيْس العُذرِية، وكان من شأنها أنّها كانت عند زيد بن الأخنس العُذري، وكان لزيد بنتٌ من غيرها يقَال لها الفارعة، وإن زيداً عَزَلَ ابنتَه عن امرأته في خِباء لها، وأخْدَمها خادماً، وخرج زيدٌ إلى الشام، وإنَّ رجلاً من عُذْرَة يُقَال له شَبَث هَوِيَها وهويَتْه، ولم يزل بها حتى طاوعته، فكانت تأمر راعىَ أبيها أن يُعَجِّلَ ترويحَ إبله، وأن يحلب لها حلبة إبلها قَيْلاً، فتشرب اللبن نهاراً، حتّى إذا أمست وهَدأ الحيُّ رُحِلَ لها جمل كان لأبيها ذَلُول فقعدت عليه وانطلقا حتّى كانا ينتهيان إلى مَتْيَهة من الأرض فيكونان بها ليلتهما، ثم يقبلان في وَجْه الصبح، فكان ذلك دَأبَهُما، فلمّا فَصَل أبوهَا من الشأم مَرَّ بكاهنة على طريقِه، فسألها عن أهله، فنظرت له ثم قَالت: أرى جَمَلَكَ يُرْحَلُ ليلاً، وحلَبَةَ تَحْلب إبلَكَ قَيْلاً، وأرى نعماً وخيلاً، فلا لبث، فقد كان حدث، بآل شيث، فأقبل زيد لا يلوى على شَيء حتى أتى أهلَه ليلا، فدخل على امرأته وخَرَجَ من عندها مُسْرِعاً حتى دخل خِباء ابنته، فإذا هي ليست فيه، فَقَال لخادمها: أين الفارعة ثَكَلَتْكِ أمك؟ قَالت: خرجت تمشى وهى حرود، زائرة تعود، لم تر بعدك شَمْسا، ولا شهدت عرساً، فانفتل عنها إلى امرأته، فلمّا رأته عَرَفَت الشَّر في وجهه، فَقَالت: يازيد، لا تَعْجَلْ وَاقْفُ الأثر فلا ناقة لي في هذا ولا جمل، فهي أول من قَال ذلك.

كلاهما وتمراً

 كِلَاهُمَا وَتَمْرَاً
ويروى: كليهما، أولُ من قَال ذلك عمرو بن حُمْرَان الجَعْدِي، وكان حمرتن رجلاً لَسِنَاً مارداً وإنّه خَطَب صَدُوفَ، وهي امرَأة كانت تؤيد الكلام وتشجع في المنطق، وكانت ذاتَ مالٍ كثيرٍ، وقد أتاها قوم يخطبونها فردَّتْهم، وكانت تتعنَّتُ خُطَّابها في المسألة، وتقول: لا أتزوج إلا مَنْ يعلم ما أسأله عنه ويجيبني بكلام على حده لا يَعْدُوه، فلما انتهى إليهَا حُمْرَان قام قائماً لا يجلس، وكان لا يأتيها خاطبٌ إلا جلس قبل إذنها، فَقَالت: ما يمنعك من الجلوس؟ قَال: حتّى يُؤْذَنَ لي، قَالت: وهل عليك أمير؟ قَال رَبُّ المنزِل أحقُ بفِنَائه، ورب الماء أحَقُ بسِقَائِه، وكل له ما في وعائه، فَقَالت: اجلسْ، فجلس، قَالت له: ما أردت؟ قَال: حاجة، ولم آتك لحاجة، قَالت: تُسِرُّها أم تعلنها؟ قَال: تُسَرُّ وتُعْلَن، قَالت: فما حاجتك؟ قَال قضاؤها هَيَّن، وأمرها بين، وأنت بها أخْبَر، وبنُجْحِها أبصر، قَالت: فأخبرني بها، قَال: قد عَرَّضْتُ وإن شِئت بينتُ، قَالت: مَنْ أنت؟ قَال: أنا بَشَر، ولدت صغيراً، ونشأت كبيراً، ورأيت كثيراً، قَالت: فما اسمك؟ قَال: مَنْ شاء أحْدَثَ اسماً، وقَال ظُلْماً، ولمْ يكنِ الاسم عليه حتَمْاً، قَالت: فَمَنْ أبوك؟ قَال: والدِي الذي وَلَدني، ووالده جَدِّي، فلم يعش بَعْدِي، قَالت: فما مالُك؟ قَال: بعضُه وَرِثته، وأكثره اكتسبته، قَالت: فمن أنت؟ قَال: من بشر كثير عدده، معروف ولده، قليل صعده، يفنيه أبده، قَالت: ماوَرَّثَك أبوك عن أوليه؟ قَال: حسن الهمم، قَالت: فأين تنزل؟ قَال: على بساط واسع، في بلدٍ شاسع، قريبُه بعيد، وبعيده قريب، قَالت: فمن قومك؟ قَال: الذين أنتمي إليهم، وأجني عليهم، وولدت لديهم، قَالت: فهل لك امرَأة؟ قَال: لو كان لي لم أطلب غيرها، ولم أضَيِّعْ خَيْرَها، قَالت: كأنك ليست لك حاجة، قَال: لو لم تكن لي حاجة لم أُنِخْ ببابك، ولم أتَعَرضْ لجوابك، وأتعلق بأسبابك، قَالت: إنك لحمران بن الأقرع الجَعْدي، قَال: إن ذلك ليقَال، فأنْكَحَتْه نفسها، وفَوَّضَتْ إليه أمرها،  
ثم إنّها ولدت له غلاماً فسمّاه عمراً، فنشأ مارداً مُفَوَّها، فلمّا أدركَ جَعَله أبوه راعياً يرعَى له الإبل، فبينما هو يوماً إذ رُفِعَ إليه رجل قد أَضَرَّ به العطشُ والسغوب، وعمرو قاعد، وبين يديه زُبْد تمر وتامك (سنام الجمل)، فدنا منه الرجل فقال: أطعمني مِن هذا الزبد والتامك، فَقَال عمرو: نعم، كلاهما وتمراً، فأطعم الرجل حتّى انتهى، وسقَاه لبنا حتى رَوِي، وأقام عنده أياماً، فذهبت كلمته مَثَلاً. ورفع "كلاهما" أي لك كلامهما، ونصب تمراً على معنى: أزيدك تمراً، ومن روى "كليهما" فإنما نصبه على معنى: أطعمك كليهما وتمراً، وقَال قوم: مَنْ رفع حكى أنّ الرجل قَال: أنلني مما بين يديك، فَقَال عمرو: أيما أحبُّ إليك زُبْد أم سَنَام؟ فَقَال الرجل: كلاهما وتمراً، أى مطلوبي كلاهما وأزِيدُ معهما تمراً، أو وزدني تمراً.

جميع الحقوق محفوظه © الإشراق1

تصميم الورشه