وصايا أكثم بن صيفي لبنيه

 مَقْتَلُ الرَّجُلِ بَيْنَ فَكَّيْهِ

من وصايا أكْثَمُ بن صَيْفي لبنيه: 

المقتل: القَتْلُ، وموضع القتل أيضاً، ويجوز أن يُجْعل اللسان قَتْلَا مبالغة في وَصْفه بالإفضاء إليه، قَالَ: فإنَّما هيِ إقْبَالٌ وَإدْبَار ويجوز أن يجعل موضعَ القتل، أي بسببه يحصل القتل، ويجوز أن يكون بمعنى القاتل، فالمصدر يَنُوب عن الفاعل، كأنه قَالَ: قاتِلُ الرجلِ بين فكيه.

قَالَ المفضل: أولُ من قَالَ ذلك أكْثَمُ بن صَيْفي في وصية لبنيه، وكان جَمَعَهم فَقَالَ:

تَبَارُّوا فإنَّ البرَّ يبقى عليه العدد، وكُفُّوا ألسِنَتَكم فإن مَقْتَلَ الرجل بين فَكَّيه، إن قول الحق لم يَدَعْ لي صديقاً، الصدقُ مَنْجَاة، لَا يَنْفَعُ التَّوَقِّي مما هو واقع، في طلب المعالي يكون العَنَاء، الاقتصادُ في السعي أبْقَى للجمام، مَنْ لم يأسَ على ما فاته ودع بدنه، ومن قَنَعَ بما هو فيه قَرَّتْ عينه، التقدُّم قبل التندم، أصْبح عند رأس الأمر أحبُّ إلي من أن أصبح عند ذنَبه، لم يهلك من مالك ما وَعَظَك، ويل لعالِم أمرٍ مِنْ جاهله، يتشابه الأمر إذا أقبل، وإذا أدْبَرَ عرفه الكَيِّسُ والأحْمَقُ، البَطَرُ عند الرخاء حُمْق، والعجز عند البلَاء أمْنٌ، لَا تَغْضَبُوا من اليسير فإنه يجني الكثير، لَا تجيبوا فيما لَا تُسْألون عنه، ولَا تضحكوا مما لَا يُضْحَك منه، تَنَاءَوا في الديار ولَا تباغضوا، فإنه من يجتمع يقع عنده، ألزِموا النساء المَهَانة، نعم لَهْوُ الغِرَّةِ المِغْزَلُ، حيلَةُ مَنْ لَا حيلَةَ له الصبر، إن تَعِش تَرَ ما لم تَرَهْ، المكثار كحاطِبِ ليل، مَنْ أكثر أسْقَطَ، لَا تجعلوا سراً إلى أمةٍ؛ فهذه تسعة وعشرون مثلاً

وقد أحسن من قَالَ: رَحِمَ اللهُ امرأ أطْلَقَ ما بين كَفَّيْه، وأمسَكَ ما بين فكيه ولله در أبي الفَتْح البُسْتي حيث يقول في هذا المثل:

تَكَلَّمْ وسَدِّدْ ما استَطَعْتَ؛ فَإنما … كلامكَ حَيٌّ وَالسُّكُوتُ جَمَادُ

فَإنْ لم تَجِدْ قَوْلاً سَدِيداً تَقُولُهُ … فَصَمْتُكَ عَنْ غَيْرِ السَّدَادِ سَدادُ

واحْتَذَاهُ القاضي أبو أحمد منصور بن محمد الهروي فَقَالَ:

إذَا كُنْتَ ذَا عِلْمٍ وَمَا رَاكَ جَاهِلٌ … فأعْرِضْ فَفِي تَرْكِ الجَوَابِ جَوَابُ

وَإنْ لم تُصِبْ فِي القَوْلِ فَاسْكُتْ فإنما … سُكوتُكَ عَنْ غَيْرِ الصَّوَابِ صَوَابُ

وضمن الشيخ أبو سهل النيلي شرائطَ الكلام قولَه:

أوصِيكَ فِي نَظْمِ الكلام بخَمْسَةٍ … إنْ كُنْتَ لِلْمُوصِي الشَّفيقِ مُطِيعَا

لَا تُغْفِلَنْ سَبَبَ الكلام وَوَقْتَهُ … وَالكَيْفَ وَالكَمْ وَالمكَان جَمِيعَاً. 

(مجمع الأمثال) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عزيزي الزائر:
أهلاً وسهلاً بك اكتب ملاحظاتك أو سؤالك أو راسلنا على صفحة النحو والصرف:
https://www.facebook.com/arabicgrammar1255/

  • قصة عاشقة الفتى
    قصة عاشقة الفتى

  • أيام الحروب بين داحس والغبراء
    أيام الحروب بين داحس والغبراء

  • تكنولوجيا التعليم والأعمال منUdemy
    تكنولوجيا التعليم والأعمال منUdemy

  •  الاسم الموصول الخاص والعام
    الاسم الموصول الخاص والعام

  •  علامات الإعراب الأصلية والفرعية
    علامات الإعراب الأصلية والفرعية

  •  أسلوب الإغراء والتحذير
    أسلوب الإغراء والتحذير

  • أغراض النهي البلاغية أسئلة وأجوبة
    أغراض النهي البلاغية أسئلة وأجوبة

  • أذكار الصباح والمساء
    أذكار الصباح والمساء

جميع الحقوق محفوظه © الإشراق1

تصميم الورشه